الحلبي
118
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
ولما مر على أبي سفيان وهو واقف بمضيق الوادي ، قال أبو سفيان : من هذه ؟ قال : هؤلاء الأنصار ، عليهم سعد بن عبادة معه الراية ، فلما حاذاه سعد قال : يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة : أي الحرب والقتال : اليوم تستحل الحرمة . وفي لفظ : الكعبة ، اليوم أذلّ اللّه قريشا ، فلما أقبل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال بعضهم : ورأيته مع الزبير رضي اللّه تعالى عنه ، فلما مر بأبي سفيان وحاذاه أبو سفيان ناداه : يا رسول اللّه أمرت بقتل قومك ، فإنه زعم سعد ومن معه حين مرّ بنا أنه قاتلنا ، فإنه قال : اليوم يوم الملحمة ، اليوم تستحل الحرمة ، اليوم أذل اللّه قريشا ، أنشدك اللّه في قومك فأنت أبر الناس وأرحمهم وأوصلهم ، فقال عثمان وعبد الرحمن بن عوف رضي اللّه تعالى عنهما : يا رسول اللّه فإنا لا نأمن من سعد أن يكون له في قريش صولة ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : يا أبا سفيان كذب سعد ، اليوم يوم المرحمة ، اليوم أعزّ اللّه فيه قريشا . أي وفي رواية : اليوم يعظم اللّه فيه الكعبة ، اليوم تكسى فيه الكعبة ، وأرسل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى سعد بن عبادة : أي أرسل عليا كرم اللّه وجهه أن ينزع اللواء منه ويدفعه لابنه قيس رضي اللّه تعالى عنهما . وقيل أعطاه للزبير ، وقيل لعليّ كرم اللّه وجهه خشية أن يقع من ابنه قيس ما لا يرضاه صلى اللّه عليه وسلم ، أي لأن قيسا رضي اللّه تعالى عنه كان من دهاة العرب وأهل الرأي والمكيدة في الحرب مع النجدة والبسالة والشجاعة . من وقف على ما وقع بينه وبين معاوية لما ولاه سيدنا عليّ كرّم اللّه وجهه بعد قتل عثمان رضي اللّه تعالى عنه مصر لرأي العجب من وفور عقله ، ومع ذلك كان له من الكرم ما لا مزيد عليه . وقفت له رضي اللّه تعالى عنه عجوز : وقالت له : أشكو إليك قلة الجرذان ببيتي . والجرذان بالذال المعجمة : نوع من الفئران ، فقال : ما أحسن هذا السؤال وقال لها : لأكثرنّ الجرذان ببيتك ، فملأ بيتها طعاما وأدما . وقيل قالت له : مشت جرذان بيتي على العصيّ ، فقال لها : لأدعهن يثبن وثبة الأسود ، ثم ملأ بيتها طعاما ، ولا مانع من تعدد الواقعة . ومن هذا الوادي ما كتب به بعضهم إلى عبد الملك بن مروان : يا أمير المؤمنين أشكو إليك الشرف . فقال له : ما أحسن ما استمنحت ، وأعطاه عشرة آلاف درهم ، فقيل له في ذلك ؟ فقال : يسأل ما لا يقدر عليه ، ويعتذر فلا يعذر . ولما أشرف أبوه سعد رضي اللّه تعالى عنهما على الموت قسم ماله في أولاده ، وكان له حمل لم يشعر به ، فلما مات سعد وولد له ذلك الحمل كلمه أبو بكر وعمر رضي اللّه تعالى عنهما في أن ينقض ما صنع أبوه من تلك القسمة ، فقال : نصيبي للمولود ، ولا أغير ما صنع أبي ، ولم يكن في وجه قيس رضي اللّه تعالى عنه شعر ، وكان مع ذلك جميلا ، وكانت الأنصار رضي اللّه تعالى عنهم تقول : وددنا أن نشتري لقيس بن سعد لحية بأموالنا . وكان له ديون على الناس كثيرة فلما مرض رضي اللّه